من بين الفقد والركام.. وفاء تُتم حلم والدها بحفظ القرآن

من بين الفقد والركام.. وفاء تُتم حلم والدها بحفظ القرآن
تقارير وحوارات

غزة/ دعاء الحطاب:
كانت وفاء العطار، وهي الابنة الكبرى بين إخوتها، تجلس إلى جوار والدها تحفظ آيات القرآن الكريم واحدة تلو الأخرى، بينما كان هو يتابع معها، يصحح لها ويشجعها، ويمضي بها في الطريق الذي عرفه منذ طفولته، بعدما حفظ كتاب الله وأتقن سرده، وكان يحلم بأن يرى أبناءه يسيرون على الطريق نفسه.
لم تكن وفاء، التي كانت تبلغ الرابعة عشرة من عمرها وتعيش حياة عائلية طبيعية بين والديها وإخوتها، تعرف حينها أن تلك الساعات التي جمعتها بوالدها حول كتاب الله ستصبح، بعد سنوات قليلة، واحدة من أثمن ما بقي لها منه.
وبعيون دامعة، تقول وفاء: "كنت عايشة طبيعي مع ماما وبابا وإخواني. بابا كان ماسك معي بحفظ القرآن، لأنه هو كان حافظ لكتاب الله وسارد من صغره، فحب إنه يطلعنا مثله حفظة لكتاب الله".
في منتصف الطريق
خلال بضعة أشهر، أتمّت وفاء حفظ نصف القرآن الكريم برفقة والدها، حتى جاءت الحرب لتسلب منها كل شيء في لحظة واحدة.
ففي 22 فبراير/شباط 2024، انقلبت حياة وفاء رأسًا على عقب، بعد قصف استهدف منزل العائلة، استشهد فيه والدها ووالدتها وجميع إخوتها، لتبقى هي الناجية الوحيدة.
وتتابع، بصوت يحمل ثقل تلك الذكرى: "انقلبت حياتي رأسًا على عقب، انقصف بيتنا واستشهدوا بابا وماما وإخواني كلهم، وبقيت أنا الناجية الوحيدة".
لم تعد وفاء بعد ذلك تلك الطفلة التي تجلس إلى جوار أبيها لتحفظ القرآن وتحتمي بحضوره، فقد وجدت نفسها وحيدة في مواجهة أيام الحرب القاسية؛ بين الخوف والنزوح والجوع والقصف، وما تركته تلك التجربة من ندوب في ذاكرتها وحياتها.
ومع كل يوم جديد، كانت محاولة العودة إلى القرآن تبدو أكثر صعوبة؛ فلا كهرباء، ولا مراكز أو مساجد متاحة لتحفيظ القرآن، ولا مكان ثابت يمكنها أن تستعيد فيه هدوءها وتركيزها.
وتضيف بألم: "كانت هذه الفترة أصعب أيام حياتي، مريت بصعوبات كبيرة تجعلني أوقف عن حفظ القرآن، سواء الآثار النفسية اللي انعكست عليّ بسبب استشهاد عائلتي، والخوف والرعب من القصف الإسرائيلي، والنزوح والمجاعات المتكررة، بالإضافة لعدم توفر الكهرباء ومراكز أو مساجد لتحفيظ القرآن".

"كنت أتذكر بابا.. وأكمل طريقه"
ورغم كل الصعوبات التي واجهت وفاء، بقيت ذكرى والدها وحلمه أكثر ما ينتشلها من لحظات ضعفها، فكلما شعرت أنها لم تعد قادرة على الاستمرار، كانت تتذكر أنها وصلت معه إلى منتصف القرآن، وأن التوقف يعني ترك الطريق الذي أمسك بيدها إليه منذ البداية.
لم تنتظر وفاء الظروف المناسبة، بل بدأت تبحث عنها بنفسها، فكانت تذهب سيرًا على الأقدام إلى أماكن بعيدة لتواصل الحفظ، في وقت كان الطريق نفسه محفوفًا بالخطر، والموت حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية.
وتقول: "بكل لحظة ضعف بمر فيها كنت أتذكر بابا وحلمه بأني أحفظ القرآن، بقيت مكملة على دربه وما استسلمت أبدًا. كنت أروح على أماكن بعيدة مشي عشان أحفظ، رغم الخطر والموت اللي كان موجود بكل مكان".
وهكذا، لم يعد حفظ القرآن بالنسبة إلى وفاء مجرد عبادة أو هدف شخصي، بل أصبح أيضًا خيطًا يصلها بحياة فقدتها، وبأبٍ لم يعد موجودًا ليجلس إلى جوارها ويصحح لها ما تحفظ.

اكتمال الحلم

وحين وصلت وفاء أخيرًا إلى نهاية حفظ القرآن الكريم، وجدت نفسها أمام حلم تحقق، ووالدٍ غاب عن اللحظة التي طالما انتظر أن يعيشها معها.
كان الفرح حاضرًا، لكنه هذه المرة جاء ناقصًا، مثقلًا بغياب من كان يفترض أن يكون أول من يشاركها إياه.
وأضافت: "يعجز اللسان عن وصف مشاعري باللحظة اللي أتممت فيها حفظ القرآن، كنت فرحانة جدًا، وبنفس الوقت في غصة كبيرة إنه والدي وعائلتي مش موجودين معي، كنت بتمنى بابا يكون موجود".
ثم تستدرك، وكأنها تبحث عن والدها في أكثر الأماكن التي ترك فيها أثرًا: "لكن هو ما زال حي بقلبي، وأنا فخورة فيه، وهو اللي كان سبب بحفظي لكتاب الله بتعبه وجهده معي".
ولم تكتفِ وفاء بإتمام الحفظ، فما زالت تواصل طريق الإتقان والسرد، محاولة الاقتراب أكثر من الصورة التي كان والدها يحلم أن يراها عليها.
وأوضحت: "صح ما قدرت أكون نسخة مثله، لكن ما زلت ماشية في هذا الطريق حتى أكون ساردة مثله"، مستدركة: "سردت خمسة أجزاء في جلسة واحدة بتقدير ممتاز، وراح أسرد آخر الشهر عشرة أجزاء، وهكذا حتى أتمكن من سرد النصف كاملًا في جلسة واحدة".

"هذه طريق أبوكي.. لا توقفيها"

في الطريق الطويل الذي مشت فيه بعد فقدان عائلتها، لم تكن وفاء وحدها تمامًا، فقد كان عمها وزوجته إلى جانبها، يشجعانها كلما أثقلها التعب، ويعيدان أمامها الحلم الذي تركه والدها في قلبها.
تقول: "كل ما أحس إني تعبت كانوا يشجعوني ويذكروني بحلم بابا.. صاروا يقولولي: لا توقفي، هذه طريق أبوكي، لا توقفيها، لا تخلي الشيطان يلعب بعقلك".

وكانت تلك الكلمات بمثابة دفعة جديدة كلما شعرت أن الطريق أثقل من قدرتها على الاستمرار.
ففي الوقت الذي فقدت فيه وفاء عائلتها وبيتها وأمانها، بقي لها شيء تستطيع أن تتمسك به؛ كلمات والدها، وما حفظته منه، والحلم الذي بدأه معها ولم يشهد نهايته.

القرآن.. سندها في الحرب
وأوضحت وفاء أن الحرب لم تترك فيها الخوف فقط، بل جعلتها أكثر تمسكًا بما تعلمته من القرآن، ولا سيما الصبر والثبات، مضيفة: "الحرب كان لها دافع كبير بسبب الخوف والرعب اللي عشناه، كنا بكل لحظة متوقعين نموت، فكان بدنا نقابل ربنا بأفضل شيء".
وتتابع: "القرآن علمنا كثير عن الصبر والثبات، وإنه مهما اشتدت الابتلاءات علينا لازم نصبر، لأنه ربنا عنده أجر كبير للصابرين"، مستحضرةً قوله تعالى: ﴿وَيُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
واليوم، تنظر وفاء إلى رحلتها لا باعتبارها نهاية، بل بداية لطريق آخر، تسعى فيه إلى إتقان ما حفظته، وإكمال السرد، والاستمرار في الحلم الذي بدأته مع والدها.
ومن تجربتها، توجه رسالة إلى كل من يتمنى حفظ القرآن لكنه يشعر بالعجز عن البدء أو الاستمرار: "يضل ماشي بهذا الطريق، لأنه هاي أحلى رحلة ممكن يعيشها بحياته، رغم كل التحديات والصعوبات".

التعليقات : 0

إضافة تعليق